القاضي عبد الجبار الهمذاني

375

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وتأملهم ، ويكدوا في معرفة الحق خواطرهم ، لأن من حق المحكم أن يدل العارف باللغة ، بظاهره ، ويستغنى عن فكر مجدّد ؛ فإذا كان متشابها فلا بدّ من فكر مجدّد ؛ وعنده لا بدّ من استحضار الأدلة ، ليحمل المراد به على موافقتها ؛ وكل ذلك زائد في الحكمة ، فمحل المتشابه ، لما ذكرناه ، محل الآلام ، التي الحكمة فيها أعظم من الصحة والملاذّ ، لأن الاعتبار ، الّذي يقع بها لا يكاد يحصل لغيرها ، فكانت في الحكمة أولى ؛ فكذلك القول ، فيما ذكرناه ، من المتشابه ؛ وهذه الجملة تسقط ما سألوا عنه ؛ لأنهم بنوا الكلام على أن المتشابه تلبيس ، وتعمية ، وعدول عن البيان ؛ وقد بينا : أن الأمر بخلافه ؛ لأن الملبس لا يكون ملبسا بالكلام إلا إذا سدّ على المخاطب طريق معرفة مراده ، وإذا فتح له طريق ذلك ، وبينه بأوكد من بيانه بتقييد الكلام ، فكيف يكون ملبسا ؛ وقد علمنا أن أحدنا إذا خاطب غيره ، على عهد تقدّم لا يكون ملبسا ، وإن كان ظاهر الكلام منه ، لو تجرّد عن العهد لم يدل على المراد . لكنه مع العهد إذا دل على المراد ، من التقييد والاتصال ؛ وما مهده اللّه في العقول ، من المعارف والأدلة أوكد من العهد ، في هذا الباب ؛ فيجب خروج الخطاب لأجله ، من أن يكون تعميها ، وتلبيسا . . يبين ما قلناه : أنه لو وصل بالكلام المراد ، لم يخرج عن حد الاحتمال ، وبأن قرّره في العقل بالمعرفة والدليل ، قد أخرج عن باب الاحتمال ؛ فكيف يكون اتصال الكلام به مخرجا عن التلبيس ، وما قرّره في العقل غير مخرج له عن ذلك ؟ ؛ ولا يجب فيه تعالى أن يبلغ في البيان أعلى الرتب ؛ لأن ذلك لو وجب لوجب في المعارف ، أن تكون ضرورية ؛ لأن ذلك أبلغ من تكليف النظر والمعارف ، لامتناع السفه فيها ، وتأتيها في المكتسب ؛ فإذا لم يجب ذلك فغير واجب في البيان أن يبلغ نهايته في الوضوح ؛ بل لا يمتنع في المتشابه أن يكون أولى في البيان ،